اخبار

معجون كلام.. البنك القومي للحمض النووي


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

توقفت بالسيارة رغماً عني في إحدى الإشارات بشوارع القاهرة التي لا تحتاج لإشارة حتى تتوقف، سيدة تتسول بينما تحمل طفلا على يديها، قوانين مندل للانتخاب الطبيعي تتعارض مع كون الطفل ابنا لهذه السيدة، فهي سمراء، شعرها أسود مجعد، بينما الطفل بعيون زرقاء وشعر أصفر وبشرة بيضاء، احتمالات حدوث طفرة جينية ممكنة ولكنها صعبة، من أين أتت به؟

يمكنني أن أقص عليك عشرات القصص لأطفال فقدوا أو خطفوا من أهاليهم ليتم بيعهم بعد ذلك أو استغلالهم جسديا أو في مجال التسول والجريمة بشتى أنواعها، لكني سأمر بك سريعا على قصتين عايشتهما، الأولى لطفل فقدت أمه الوعي بسبب غيبوبة سكر ليضيع ابنها وسط زحام القاهرة، ثلاثة عشر عاما مرت، ماتت الأم كمدا على ابنها، واستمر الأب في رحلة البحث، إلى أن قادته صدفة ليجد ابنه في أحد دور الرعاية الاجتماعية، ابنه لم يتم خطفه، فقط الصدفة هي من جعلت أباه يصل للقسم بعد تغيير الوردية فلا يعرف الموجودين أن هناك “ولاد حلال” وجدوا الطفل وسلموه للقسم والذي أودعه أحد دور الرعاية، كم طفلا في دور الرعاية لم يحالفه الحظ فيجده أبوه؟

قصة أخرى كانت لشاب صغير، عمره حوالي 18 عاما، تاه من أبويه ابناء محافظة أسوان وهو طفل صغير أثناء زيارتهما للسيدة زينب، عاش في الشارع حوالي 11 سنة قبل مقابلتي له وظهوره في أحد البرامج التلفزيونية التي كنت أتولى مسئوليتها فتعرفت عليه أمه، الشاب والذي كان يتردد بصورة منتظمة على إحدى المؤسسات المعنية برعاية أطفال الشوارع لم يكن يعرف كيف يعيش في منزل من جديد، حضن الشارع أصبح مألوفا بالنسبة له أكثر من حضن أمه، أما المؤسسة التي كانت ترعاه فرفضت التعاون معي لتوصيل الشاب بأمه، موظفو المؤسسة كانوا يرون في الشاب وسيلة لكسب العيش لهم، فمن خلاله وأمثاله يحصلون على دعم وتبرعات لا يريدون فقدانها، لا تنسوا ان العمل الخيري ليس دائما لوجه الله.

لن أسرف في الحكايات فأنت بالتأكيد تعرف مثلها ولكن دعني أحك لك سريعا عن قصة “روبين” وهو بريطاني لقيط وجدوه على باب متجر كبير في اكسوفورد بعد قصف تعرضت له لندن أثناء الحرب العالمية الثانية، روبين بدأ رحلة بحثه عن أبويه البيولوجيين وهو في الخمسينات من عمره، حيث ساءه فرضية طرحها عليه البعض بأنه قد يكون ابنا لعلاقة عابرة لأمه مع جندي أمريكي، وباستخدام علم الأنساب وفحص الجينات تبين أن له أصولا اسكتلنديه، وباستخدام بعض المواقع التي يسجل فيها الأشخاص أحماضهم النووية للبحث عن عائلاتهم، تم التوصل لأن أم روبين هي سيدة اسكتلنديه تدعى “جين” توفيت في كندا، روبين عثر على أمه وعمره 74 سنة!

نعود لمصر من جديد، لماذا لا يتم انشاء “بنك قومي للحمض النووي” يتم فيه إنشاء قاعدة بيانات للحمض النووي لكل الأطفال الموجودين في دور الرعاية الاجتماعية، وإذا وجدنا أي متسول مع طفل يتم القبض عليهم وإجراء اختبار الحمض النووي، لو كان ابنه بالفعل يقوم بالتوقيع على تعهد بعدم استخدامه في التسول من جديد، وإذا لم يكن يتم سحبه منه وتشديد العقوبة عليه، نفس الأمر مع أطفال الشوراع، يتم إخضاعهم بشكل إجباري للفحص وتسجيلهم على قاعدة البيانات.

أما من يبحث عن ابنه فيقوم بعمل التحليل هو الآخر، قاعدة البيانات يمكنها أن تقوم بالكشف عن درجة القرابة في لحظة واحدة، تخيلوا كم أسرة ستعود ليلتئم شملها من جديد؟؟

الموضوع يحتاج لتمويل بالطبع، يمكن للدولة أن تكون مسئولة عن الجانب التنظيمي والإداري وفتح الباب للتبرعات والتي أثق أنها ستكون سخية، فمن سيتبرع لن ينقذ طفلا غريبا عنه من الضياع فقط، بل سينقذ ابنه – لا قدر الله – من أن يكون في نفس موقفه.



رابط المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى